محمد جعفر استر آبادى ( شريعتمدار )
323
البراهين القاطعة في شرح تجريد العقائد الساطعة
فيه ، بل هو إدراك البصر بأحد المعنيين اللذين ذكرناهما ، أعني الإدراك على وجه الإحاطة بجوانب المرئيّ ، والإدراك بالجارحة المخصوصة ؛ لإشعارهما بسمات الحدوث والنقصان ، وذلك في الأوّل ظاهر . وأمّا في الثاني ، فلأنّ الإدراك بالجارحة المخصوصة إنّما يكون لما يقابلها كما علم بالضرورة من التجربة . وأمّا رؤيته على الوجه المذكور - أعني من غير المقابلة ولا توسّط الآلة ، بل بمحض عناية من الله تعالى على عباده - فلا نسلّم أنّها نقص . ومنها : أنّ الله تعالى حيثما ذكر في كتابه سؤال الرؤية استعظمه استعظاما شديدا واستكبره استكبارا بليغا حتّى سمّاه ظلما وعتوّا كبيرا ، كقوله تعالى : وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً « 1 » . وقوله تعالى : وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ « 2 » . وقوله تعالى : يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ « 3 » فلو جازت رؤيته لما كان كذلك . والجواب : أنّ ذلك لتعنّتهم وعنادهم على ما يشعر به سياق الكلام - لا لطلبهم الرؤية ، ولهذا عوتبوا على طلب إنزال الملائكة عليهم والكتاب مع أنّهما من الممكنات وفاقا . ولو سلّم ، فلطلبهم الرؤية في الدنيا وعلى طريق الجهة والمقابلة على ما عرفوا من حال الأجسام والأعراض .
--> ( 1 ) . الفرقان ( 25 ) : 21 . ( 2 ) . البقرة ( 2 ) : 55 . ( 3 ) . النساء ( 4 ) : 153 .